بيئة تعليمية متعددة الأغراض لتدريس مادة التربية الفنية في مدارس المرحلة الثانوية

Abstract

بيئة تعليمية متعددة الأغراض لتدريس مادة التربية الفنية في مدارس المرحلة الثانوية


الفصل الاول
اولاً-مشكلة البحث ومسوغاتها:
يعد التعليم عملية منظمة هادفة تسعى لغاية ترتبط بحاجات ومتطلبات المتعلم من جهة واهداف المؤسسة التعليمية التي يتعلم فيها من جهة اخرى، وهو يتوخى التخطيط الى زيادة خبرات المتعلمين من المعارف والمعلومات والمهارات لاغناء حياتهم، وذلك من خلال اختيار المواد التعليمية الملائمة لقدراتهم العقلية ومدركاتهم الحسية والتي تبنى على طرائق واساليب حديثة.
ويرى (موسى) بهذا الصدد "ان التخطيط الجيد الواعي والمنظم لمكونات العملية التعليمية له تأثير ايجابي في نجاح هذه العملية، وذلك لكونه يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المتعلم وظروف الادارة التعليمية والبيئة التعليمية التي يتعلم فيها ويتفاعل مع مكوناتها" (موسى، 1984، ص2).
لقد اكدت الاتجاهات الحديثة في التربية والتعليم كما تشير (المنشئ) الى ذلك "جعل المتعلم محوراً للعملية التعليمية واعتبار المؤسسات التعليمية بكافة عناصرها (المدرس، الاهداف التعليمية، المنهج الدراسي، طرائق واساليب التدريس، الوسائل التعليمية تعمل على تنبيه حواس المتعلم واستثارة تصوراته الذهنية والوجدانية وتعمل على تفاعله مع مكونات هذه البيئة، فيثمر عن ذلك تحصيل معرفي واداء مهاري قد ينتج عنه عملاً فنياً مبتكراً او ابداعياً" (المنشئ، 1984، ص56).
لذلك فقد اصبح التركيز على المتعلم والتعرف على مستوى قدراته وحاجاته ومتطلباته واساليب تعلمه اساساً لتخطيط تلك البيئة والعمل على تهيئة انماط متعددة من الخبرات والمواد التعليمية التي تدفعه وتسانده في تعلمه.
بما ان التربية الفنية تعد جزءاً مهماً من العملية التعليمية في مراحل التعليم العام ومكملة لها، اذ تقوم بمهمة تطوير ونمو القابليات الفنية الابداعية عند المتعلمين لتكسبهم اتجاهات فنية جديدة تتكيف مع ظروف عملهم وبيئتهم وتمنح لهم الفرص في ان يعبروا عن خصوصيتهم في الرؤية والتفكير والاكتشاف، وتنمي عندهم الحرية في التعبير الفني ليعبروا عن مشاعرهم وافكارهم وانفعالاتهم بما يرضي حاجاتهم ورغباتهم وتمنح الفرصة امام كل متعلم في ممارسة الاسلوب الفني الذي يرغبه.
(Dodge, 1991, P 71-76).
لذلك ان تدريس مادة التربية الفنية بشكل سليم بما يتوافق واهدافها يتطلب توافر العناصر المكونة لهذه المادة والمتمثلة بوجود (مدرس) كفء يمتلك الكفايات التعليمية التي تؤهله لتدريسها وكذلك وجود (منهج دراسي) يسير (المدرس) على وفق مكوناته فضلاً عن توفير البيئة التعليمية المناسبة لممارسة المهارات الفنية المختلفة التي يتضمنها المنهج الدراسي لهذه المادة.
وعليه تكون تنمية قدرات المتعلم وميوله واستعداداته وجوانب التذوق الفني والجمالي لديه من خلال بناء مناهج جديدة تواكب التطور العلمي والتكنولوجي الذي يمر به عالمنا المعاصر واستخدام طرائق واساليب حديثة في تنفيذ متطلباته وتهيئة بيئة تعليمية نموذجية لايجاد تفاعل مشترك بين المتعلم والمنهج، وهذا يتوافق مع توصيات المؤتمرات التربوية التي "نادت بضرورة اتاحة الفرص امام المتعلمين للتعبير عن انفعالاتهم واحاسيسهم بحرية من خلال ممارسة الاعمال الفنية المختلفة بما يمنحهم لتنمية مهارات التفكير لديهم".(Katz and Chedester, 1990, p: 12-18) , (Blurton, 1991, P: 10-12).
ويشير (صادق واخرون) بهذا الصدد "ان التربية الفنية تعد وسيلة تعليمية لتنمية سلوك المتعلم وتهدف الى توجيهه توجيهاً تربوياً وفنياً، فهي ليست دراسة لمهارات حرفية فقط، ولكنها نشاط ذهني وبدني يشحذ القدرات الابداعية لديه من خلال تنظيم افكاره واهتماماته وترتيبها وتخطيطها بشكل سليم وابتكار في اساليب تناوله للموضوعات الفنية بخاصة والموضوعات الدراسية الاخرى بشكل عام وهي تعديل في سلوك المتعلمين. لذلك فان كل "نشاط يقوم به المتعلم يستلزم توفير المكان المناسب لهذا النشاط بما يشمله هذا المكان من معدات وادوات واثاث ومستلزمات اخرى تسهم في تسهيل عملية ممارسة هذا النشاط" (صادق واخرون، 1992، ص145).
تحتاج مادة التربية الفنية الى مكان يختلف عما تحتاجه المواد الدراسية الاخرى او المختبرات المخصصة للغات او العلوم، وتهيئة مكان مناسب لتنفيذ النشاطات والفعاليات التي تتطلبها مفردات هذه المادة، اذ يعتبر المكان ضرورة لازمة لمزاولة المتعلمين لنشاطاتهم الفنية بالشكل الطبيعي.
فالمكان او ما نطلق عليه (البيئة التعليمية) يمثل عنصراً مهماً من عناصر العملية التعليمية بشكل عام وعملية الاتصال التي تحدث تفاعلاً بين (المعلم والمتعلم) بشكل خاص، ولاجل المحافظة على هذا العنصر وجعله فعالاً ويؤدي الى نجاح هذه العملية، اذ تسهم البيئة التعليمية كما يشير (زاهر) الى "احداث التفاعل الديناميكي المستمر بين العناصر الاخرى وتهيئة الموقف المساعد لاحداث التأثيرات المختلفة لدى المتعلم من اجل اكسابه الخبرات التعليمية الجديدة وتعديل سلوكه بالاتجاه المرغوب فيه" (زاهر، 2000، ص36).
لذلك لابد من الاهتمام بتصميم البيئة التعليمية وخاصة فيما يتعلق بمكوناتها ومستلزماتها مثل (الاضاءة ودرجة الحرارة وتصميم الاثاث وعملية توزيعها على وفق الية جسد المتعلم ومستلزمات العمل (المناضد، مسند الرسم، عجلة الفخار (الويل اليدوي او الكهربائي)، ولوحات ودواليب الخزن وغيرها)، اذ يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار دراسة مدى مساعدة البيئة التعليمية في اكساب المتعلم المعلومات والخبرات التعليمية والمهارات الفنية وخلوها من مشتتات الانتباه مثل (الضوضاء الناتجة عن الاصوات المرتفعة داخل او خارج البيئة التعليمية).
بناءاً على ما تقدم ارتأى (الباحث) بعد ان اجرى دراسة استطلاعية هدفت الى التعرف على واقع البيئة التعليمية المخصصة لتدريس مادة التربية الفنية في مدارس مراحل التعليم العام، اذ تم استطلاع اراء عينة استطلاعية بلغت (60) من مدرسي التربية الفنية الذين يقومون بتدريس هذه المادة في مدارس المرحلة الثانوية التي تقع ضمن المديريات العامة لتربية بغداد (الرصافة 1/2/3، الكرخ 1/2/3).
فضلاً عن ذلك قام (الباحث) بدراسة مسحية للدراسات والبحوث العلمية التي اجريت في مجال التربية الفنية وتمحورت مشكلاتها حول تقويم هذه المادة والصعوبات التي تواجه القائمين عليها في تطبيق مفرداتها لتحقيق اهدافها المتوخاة، اذ ظهر من خلال هذه الدراسة ان جميع هذه البحوث وقفت امام مشكلة مهمة تمثلت بعدم وجود مكان مخصص لتدريس مفردات هذه المادة، لذلك اوصت في نتائجها بضرورة تحقيق هذا المطلب ومنها نتوقف عند:
-توصية دراسة (الدخيل) بضرورة "توفير قاعات للرسم في المدارس الابتدائية وخلق الجو المناسب للتلاميذ من اجل اعطائهم الفرص المناسبة لاظهار امكانياتهم ورصد الموهوبين والمبدعين منهم بتقديم الرعاية الخاصة لهم بوقت مبكر" (الدخيل، 1987، ص98).
-فيما اوصت دراسة (الحديثي) "بضرورة وجود قاعة كبيرة تتسع لعدد من الطلبة يمكن لمدرسي المادة من الاشراف على طلبتهم اثناء الدروس ومتابعة تطور مهاراتهم الفنية" (الحديثي، 1987، ص114).
-اما بالنسبة لدراسة (الربيعي) فقد اوصت بضرورة "توفير اماكن (قاعات للرسم) لمزاولة النشاطات الفنية وان يراعى ذلك في تصميم وبناء المدارس الحديثة" (الربيعي، 1988، ص204).
-كذلك اوصت دراسة (الكناني) بضرورة "العمل على تضمين تصاميم الابنية المدرسية الجديدة لقاعات خاصة بتدريس مادة التربية الفنية تتوفر فيها الشروط الهندسية والفنية والقياسية بممارسة النشاطات الفنية لهذه المادة او اضافة مراسم في ابنية مدارس المرحلة الثانوية القائمة حالياً كلما امكن ذلك" (الكناني، 1989، ص196).
-بينما ذهبت دراسة (المشهداني) في توصيتها الى ضرورة "تهيئة مرسم وورشة عمل مناسبة لكل مدرس وقاعة عرض تتضمن بعض الاجهزة العلمية مثل (السينما، والفانوس السحري وبعض الافلام التي تساعد على تذوق درس التربية الفنية)" (المشهداني، 2002، ص136).
-واخيراً نتوقف عند توصية (القيسي) التي اكدت على "وجود صعوبات تواجه معلمي ومعلمات التربية الفنية في المدارس الابتدائية تحول دون ادائهم بشكل جيد وتطوير مستوى التلاميذ فيها منها عدم وجود قاعات دراسية مخصصة لهذه المادة مناسبة لاعداد التلاميذ وتحقق الاهداف التعليمية للمادة" (القيسي، 2003، ص89).
لقد كشفت الدراسة المسحية للبحوث والاستطلاعية لاراء المدرسين عن افتقار المدارس الى البيئة التعليمية التي تحمل المواصفات العلمية وتضم المستلزمات التي تسهم في تلبية متطلبات تنفيذ مفردات مادة التربية الفنية، اذ ان اغلبها يفتقر الى المساحة التي تستوعب الزخم في اعداد المتعلمين للصف الدراسي الواحد والذي يتراوح ما بين (40-50) طالباً، اضافة الى ذلك مخالفتها للشروط التصميم الداخلي (كالاضاءة – الطبيعية والصناعية، التهوية الصحية، الاثاث المناسب لممارسة الاعمال الفنية خاصة ان هذه المادة تحتاج الى اثاث خاص بها مثل مسند الرسم او عجلة الفخار (الويل) والمناضد الكبيرة والمقاعد (استول) وغيرها.
ان نتائج هذه الدراسة الاستطلاعية قد بلورت فكرة البحث الحالي في تصميم بيئة تعليمية نموذجية تصلح لتدريس مفردات مادة التربية الفنية وتلبي حاجات ومتطلبات المتعلمين وتكون متعددة الاغراض* بامكانها ان تعمل على تفاعل المتعلمين فيها وتسهم في اكسابهم المهارات الفنية التي تتلاءم مع اتجاهاتهم وميولهم وتفسح المجال امام اصحاب المواهب لممارسة العمل الفني.
انطلاقاً من ذلك ارتاى الباحث وضع مبررات لمشكلة البحث الحالي من خلال طرح الاسئلة الاتية:-
س1/ هل البيئة التعليمية المخصصة حالياً لتدريس التربية الفنية لمدارس المرحلة الثانوية تسهم في تحقيق الاهداف التعليمية وتنمي المهارات الفنية لدى الطلبة؟
س2/ هل تم التخطيط الواعي والجيد لبيئة تعليمية في مدارس المرحلة الثانوية بطريقة صالحة ومناسبة لمواجهة متطلبات وحاجات الطلبة المستقبلية في القرن الجديد؟.
س3/ هل بمقدورنا رفع مستوى الاداء المهاري الفني للطلبة من خلال اعادة بناء وهيكلة البيئة التعليمية التقليدية في مدارس المرحلة الثانوية بشكل يوائم متطلبات المجتمع؟.
امام هذه التساؤلات يبدو ان حجم المشكلة كبير ويحتاج الى وقفة جادة من المسوؤلين والقائمين بالاشراف على مادة التربية الفنية ومدرسيها من دراسة هذه المشكلة بطريقة علمية فاحصة للواقع والمأمول.
ثانياً-اهمية البحث والحاجة اليه:
تبرز اهمية البحث الحالي من خلال النقاط الاتية:
1-من خلال الدراسة الاستطلاعية المسحية التي اجراها الباحث للتعرف على الدراسات والبحوث التي تناولت تصميم بيئة تعليمية لمواد دراسية اخرى بشكل عام والتربية الفنية بشكل خاص، لم يعثر على دراسة علمية على حد علمه، اذ يلبي هذا البحث تغطية جانب مهم من جوانب العملية التعليمية خاصة في مجال تطوير مادة التربية الفنية وممهداً لدراسات اخرى.
2-تكمن اهمية البحث الحالي في محاولته للاسهام في تصميم نموذج مقترح لبيئة تعليمية متعددة الاغراض ملائمة لتدريس مفردات مادة التربية الفنية في مدارس المرحلة الثانوية وكذلك يلبي حاجات ومتطلبات المتعلمين ويتوافق مع اتجاهاتهم وميولهم في ممارسة النشاطات الفنية المختلفة.
3-يمكن ان يفيد النموذج المقترح وزارة التربية كونها معنية بالاشراف على تدريس التربية الفنية في مراحل التعليم العام، وذلك من خلال تبني هذا المشروع ودراسته من قبل الدائرة الهندسية والابنية المدرسية في الوزارة لغرض تنفيذه في المدارس التي تحتوي على مساحات صالحة للبناء، او تطوير الواقع على وفق مواصفات النموذج المقترح.
4-يمكن الافادة من الانموذج المقترح لتنفيذ في معاهد النشاط الفني التابعة لمديريات التربية في محافظة بغداد لغرض استخدامه في تدريب مدرسي ومدرسات التربية الفنية اثناء الخدمة، كونها بيئة تعليمية متكاملة تصلح للتدريب على مفردات المادة.
ثالثاً- اهداف البحث:
يهدف البحث الحالي الى:-
1-تصميم بيئة تعليمية متعددة الاغراض لتدريس مادة التربية الفنية على وفق الاهداف التعليمية.
2-التعرف على مدى صلاحية البيئة التعليمية المقترحة لتحقيق مادة التربية الفنية. من خلال اراء الخبراء الذين اعتمدهم الباحث.
رابعاً- حدود البحث:
يقتصر البحث الحالي على:
1-اراء مدرسي ومدرسات التربية الفنية في تقيمهم لواقع البيئة التعليمية لتدريس هذه المادة في مدارس المرحلة الثانوية التابعة لمديريات التربية في محافظة بغداد للعام الدراسي 2005/2006.
2-الخبراء الذين اعتمدهم الباحث لتقييم صلاحية مكونات هذه البيئة المقترحة.