research centers


Search results: Found 2

Listing 1 - 2 of 2
Sort by

Article
Functional extension in The Holy Hadeeth: Anew Approach
الإنزياح الوظيفي وملامحه في الحديث النبوي الشريف (رؤية جديدة في الدراسة والتحقيق)

Author: Falih Hamad Ahmad فالح حمد احمد
Journal: Journal of Basra researches for Human Sciences مجلة ابحاث البصرة للعلوم الأنسانية ISSN: 18172695 Year: 2013 Volume: 38 Issue: 3 Pages: 51-78
Publisher: Basrah University جامعة البصرة

Loading...
Loading...
Abstract

الانزياح الوظيفي وملامحه في الحديث النبوي الشريف(رؤية جديدة في الدراسة والتحقيق) أ0م0 د. فالح حمد احمدالملخص: فالإنزياح الوظيفي؛ هو المصطلح الحديث المتداول اليوم لـ ((المجاز العقلي)) المعروف قديماً عند البلاغيين العرب، وهو المجاز الإسنادي، الذي يكون في الإسناد، أو في التركيب الذي يتوصل إليه بحكم العقل، وليس بالتركيب حسب مقتضى الحال، ويكاد يتفق البلاغييون على: أنّ الإنزياح الوظيفي؛ هو: ((أسناد الفعل أو ما في معناه الى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إدارة الأسناد الحقيقي)). وبذلك فأشهر علاقات الإنزياح الوظيفي، هي: السّببية، والزمانية، والمكانية، والمصدرية، والمفعولية. وقد أوضحت الرؤية الجديدة للدراسة: أن الإنزياح الوظيفي هو مجاز مركب، لا يتضح إلا في التركيب ((الاسنادي الذي يكون بحكم العقل، ليس بحكم تركيب المفردات حسب مقتضى الحال، الذي يؤكده علم المعاني. فضلاً عن ذلك لا يمكن بحثه في الاستعارة بالكناية؛ لأنها مجاز لغوي يتم في المفرد. ولذلك فلا داعي للخلط فيما بين هذين اللونين من المجاز: الاسنادي والإفرادي؛ لأنّ كل منها يظهر مظهراً يختلف فيه عن الآخر فالاسنادي يعتمد على التركيب بحكم العقل، والإفرادي، يتضح في مفردة لغوية واحدة. كما أن الرؤية الجديدة في التحقيق؛ أكدت، أنّه لا بدّ من توثيق الأحاديث موضوعة البحث، والإعتماد في توثيقها على مصادرها الأصلية المتمثلة في كتب الحديث المعتمدة وذلك شرط من شروط صحة الاستشهاد بها. تقديم:الانزياح الوظيفي وأهميته في كلام العرب : الانزياح الوظيفي هو المصطلح الحديث المتداول اليوم لـ (المجاز العقلي)(1) ويُعَدّ كنزاً من كنوز البلاغة ، وذخراً يعمد اليه الكاتب البليغ ، والشاعر المفلق ، والخطيب المصقع ، وليس أدل على ذلك من أنّ القدماء استعملوه في كلامهم ، وأن القرآن الكريم حفل بألوان شتى منه ، وانّ البلاغيين والنقاد أشاروا إليه ، وذكروا أمثلته ، وان لم يُطلق عليه الاسم إلاّ مؤخراً على يدي عبد القاهر . وهذا كله يدلّ على أن المجاز العقلي لون من ألوان التعبير وأسلوب من أساليب التفنن في القول ، ولا يخرجه من البلاغة افساد المتأخرين له ؛ وادخال مباحث المتكلمين فيه عند تعرضهم للفاعل الحقيقي . اذن فالمجاز العقلي كان من مباحث علم الكلام ، ومن الأولى ان يضم اليه ، هذا ما اكدته تفصيلات عبد القاهر الجرجاني ؛ وإشارات الخطيب القزويني(2) ويرى الدكتور طه حسين أن عبد القاهر لم يخرج في المجاز عن الحدود التي رسمها أرسطو ، وأن المجاز العقلي من ابتكاره ويصح ان نسميه (المجاز الكلامي)(3). وقد كان عبد القاهر ، قد أولى هذا النوع من المجاز عناية فائقة وعدّه كنزاً من كنوز البلاغة ، وهو مادة الابداع عند الشاعر والكاتب وسبيل الاتساع في طرائق البيان ، فقال ((وهذا الضرب من المجاز على جدّته كنز من كنوز البلاغة ، ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الابداع والاحسان والاتساع في طرق البيان ، وأن يجيء بالبيان مطبوعا مصنوعا ، وأن يضعه بعيد المرام قريباً من الأفهام))(4).والانزياح الوظيفي: هو الذي نتوصل اليه بحكم العقل ، وضرورة الفطرة ،وسلامة الذائقة ، فيخلصنا من مآزق الالتباس وشبهات التعبير ، فتنظر إليه وهو يثير الإحساس – مشخصا عقليا ، وكأنك تراه وتلمسه – وهو يهز الشعور شيئا مدركا ، وكأنك تبصره ، فطريقة استعماله تنم عن نتائج إرادته ودلالته في الجملة فتكشف عن حقيقة مراده بأسلوب جديد(5) .مشروعية التسمية وهدف البحث :فضلاً عن ذلك فدراسة الانزياح الوظيفي وشواهده في الحديث النبوي الشريف ربّما تثير التعجب عند بعض الدارسين والباحثين بدعوى أن هذا الموضوع أشبع بحثاً ولكن فيما أرى ان كثيرا من الأمور المتعلق به بقيت سائبة وفي الحقيقة توجد مشكلتان يمكن ان ينطلق منهما هذا البحث ؛ المشكلة الأولى تنطلق من اختلاف المفاهيم فيما بين بعض البلاغيين انفسهم من جهة و وبعض الدارسين من جهة اخرى حول مدى استقلالية الانزياح الوظيفي بوصفة مصطلحا قائما بذاته من جهة، وانكاره وادخاله ضمن غيره من المصطلحات البلاغية من جهة اخرى بالإضافة الى هذا هنالك ايضا اختلاف فيما بين البلاغيين حول مرجعية هذا المصطلح فيما بين علم المعاني وعلم البيان . أمّا المشكلة الثانية ؛ فتنطلق من مدى صحة الاستشهاد بالاحاديث موضوعة الدراسة وضرورة التحقق منها فيما اذا كانت موجودة في كتب الحديث او غير موجودة، وذلك لوجود عدد كبير من البلاغيين والباحثين الكبار نظروا الى الشاهد - فيما يتعلق بالحديث النبوي الشريف – على أنه شيء مقدس ولم يتأملوا مدى صحة روايته بالرجوع الى كتب الحديث الصحيحة وهذا لا ينطبق على المجاز العقلي فقط وإنما يشمل موضوعات بلاغية ولغوية اخرى . ومن هنا بدأت مشروعية البحث أمّا فيما يتعلق بتسمية (الملامح) فكثيراً ما نلمح الانزياح الوظيفي عند الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف ، وعند التحقق من هذه الاحاديث المستشهد بها تظهر عدم صحتها ؛ لذلك فالنظرة السريعة الى الشواهد الحديثية لا تكفي بل تحتاج الى أناة وتأمل .. التمهيد :الانزياح الوظيفي في مفهوم البلاغيين العرب . ومن الاوجه البلاغية التي تساعد على إثراء التركيب بعبارات لغوية ذات خصائص دلالية بلاغية قيمة (الانزياح الوظيفي) الذي يعد انحرافا عن الاستعمال الشائع المألوف لمفردة من المفردات بشرط ان يثير الكوامن اللغوية والنفسية والفكرية والثقافية في عقلية المخاطَب . وحدود تلك الكوامن تختلف باختلاف تجارب المرء مع المفردات ، وباختلاف وسطه الاجتماعي والثقافي . وقد سمي الانزياح الوظيفي بمسميات كثيرة منها المجاز العقلي؛ لادراك الشيء واكتشافه واسناده عن طريق العقل الذي يتصرف في ذلك الاسناد، وسمي مجازا حُكميا ؛ لان حكم المفردات يتغير بتغيير العلاقات السياقية للمفردات داخل التركيب ، اذ ان المجاز لا يقع في المفردات ذاتها وإنما يقع في حُكمية المفردات (6) ، يقصد به ((أنّ كل كلمة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعة من العقل بضرب من التأويل فهو مجاز ))(7) إسنادي؛ لطبيعة العلاقات الاسنادية ما بين المفردات ، وهذا يتعلق بالعلاقات السياقية المعنوية دون العلاقات اللفظية ، كأن تتغير وظيفة المفردة من النسبة إلى التخصيص ، أو من التخصيص إلى الإسناد وهكذا. فدلالة هذه المسميات تجري في الحكم والعقل والإسناد وجميعها تؤدي دلالة واحدة ألا وهي نسبة الشيء إلى الشيء.وتمركزت اهتمامات العلماء(8) على الانزياح الوظيفي ؛ لأنه يعد أداة الانتقال والتوسيع والعبور بالمفردة من معناها الحقيقي ودلالتها المعتادة المألوفة الى معنى مجازي خارج عن المألوف ، بالاضافة الى قدرته التعبيرية الكامنة في شحن المفردات اللغوية بمدلولات مستحدثة ذات وظائف دلالية خاصة ، لذلك يقول الدكتور. عبد السلام المسدي «المجاز هو محرك الطاقة التعبيرية في ازدواجها بين تصريحية وإيحائية ، بين طاقة موضوعة جدولية ، وطاقة سياقية جافة ، فمكمن المجاز استعداد اللغة لانجاز تحولات دلالية بين أجزائها ، ويتحرك الدال – فينزاح عن مدلوله ليلابس مدلولا قائما او مستحدثا وهكذا يصبح المجاز جسر العبور تمتطيه الدوال بين الحقول المفهومية »(9) . فقد عالج القدماء الانزياحات الوظيفية من حيث مفهومها النحوي القائم على اساس اقامة العلاقات المعنوية الموجودة بين المفردات التركيبية ، من دون تطرقهم الى القيمة البلاغية والدلالية والجمالية التي يمتلكها هذا الفن البلاغي ، وبهذا نستطيع القول : ان الجرجاني يعد مبتكر هذا الفن من خلال نظرته الثاقبة الى مجازات القرآن ومجازات العرب في مآثرهم و أشعارهم(10) فتنبه يحيى بن حمزة العلوي (ت 749هـ) الى ابتكار هذا اللون من المجاز و اسنده الى عبد القاهر الجرجاني دون غيره فقال :«اعلم ان ما ذكرناه في المجاز الأسنادي العقلي ، هو ما قرر الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني ، واستخرجه بفكرته الصافية ، و تابعة على ذلك الجهابذة من أهل هذه الصناعة، كالزمخشري و ابن الخطيب الرازي و غيرهما»(11) وعلى الرغم من تأثره بسابقيه في معالجة الانزياح الوظيفي واستقراء رؤياهم بشان هذه الظاهرة التركيبية ، فأنه لم يكتف بما أتوا به وإنما وسع حدود فكرته لهذا اللون البلاغي فمهما تجلى في الآمر فقد«كان للمجاز نصيب في كتب البلاغة والنقد ولكن لم يأخذ صورته العلمية الدقيقة الا حينما ألف عبد القاهر كتابيه»(12)، ويركن الجرجاني الى التكثير من صور الانزياح الوظيفي ؛ لبيان مدى تأثيره في نفس المخاطب لما فيه من صور بيانية دقيقة قادرة على إضفاء دلالات ثانوية على المفردات اللغوية فضلا عن بيان قيمته الجمالية الكامنة في التعبير عن«المعنى الثاني أو معنى المعنى الذي يفهم مما وراء المعنى الأصلي للفظ»(13) فقد توصل عبدالقاهر الجرجاني بحسه اللغوي الدقيق الى بيان خصائص هذا الانزياح ودلالته الوظيفية التأثيرية استنادا الى مواطن وجود هذا الفن في الخطاب اليومي المسموع والخطاب الشعري والقرآني ، محددا الانزياح الوظيفي بقوله : «..... وهو أن يكون التجوز في – حكم يجري على الكلمة فقط ، وتكون الكلمة متروكة على ظاهرها ، ويكون معناها مقصودا في نفسه ومرادا من غير تورية ولا تعريض»(14) وطرح عبدالقاهر الجرجاني فكرته ازاء التجوز الحاصل في حكمية العناصر السياقية ، فوجد أن التجوز لا يكون في دلالات المفردات ؛ لعدم خروجها عن دلالاتها اللغوية الاصلية ، وانما يكمن التجوز في حكمية الاسناد التي تجري على المفردات المحمولة ، وادراك هذه المعاني يكون عن طريق المعقول من دون طريق اللفظ ، فالمجاز اذن اسناد الفعل او ما في معناه ( كالمصدر و اسم الفاعل واسم المفعول) الى غير صاحبه لعلاقة ، مع قرينة تمنع أن يكون الإسناد حتميا(15). ومثل الجرجاني للانزياح الوظيفي في الكلام المتداول بقولهم : (نهارك صائم وليلك قائم ) محللا هذا الشاهد بقوله : «أفلا ترى انك لم تتجوز في قولك : (نهارك صائم وليلك قائم) في نفس (صائم) و(قائم) ، ولكن في ان أجريتهما خبرين على النهار والليل ..... فلم يرد بصائم غير الصوم ولا قائم غير القيام.....»(16). ويستنبط مما سبق ان الانزياح لم يقع في ذات المفردات ولا في كينونتها الدلالية المعجمية بل في الاحكام التي أجريت عليه ، فدلالة الصيام والقيام بقيت على أصليتها التي تدل على الزمن الخاص بهما ولم تتغير دلالتهما ، وانما حدث التجوز في الحكم الاسنادي و ذلك بتغيير الوظيفة السياقية لمفردتي (نهارك – ليلك ) من النسبة الى الاسناد الذي لا يمكن الاستغاء عنه اذ لا بد من احتواء التركيب على المسند او المسند اليه لا ستكمال الدلالة ، لان التركيب لا يمكن ان ينهض الا بهما (17) ، «فالخروج على مقتضى الظاهر ضم الزمن إلى الإنسان في إسناد فعل الصيام لهما. ولهذا فالمعنى قد تضاعف في التركيب مرة الى الزمان وهو النهار وأخرى إلى الإنسان وهو الذي يقوم بالصوم في ذلك الزمن»(18). فأدى ذلك الانزياح الى خروج التركيب عن نمطه التعبيري الاصلي الى نمط منزاح قائم ، بتحويل التركيب من بنية سطحية ذات دلالية معينة الى بنية سطحية اخرى بدلالة مستحدثة. فالمخاطِب هو المسؤول عن توظيف الكلمات داخل التركيب مع مراعاة العلاقات الاسنادية القائمة بين المفردات فضلا عن مراعاته ظروف المخاطَب واستعداداته الفكرية و الثقافية والعقلية والاجتماعية ، وبهذا استطاع الجرجاني ان يصنع حدّاً فاصلاً بين المخاطَب العادي الذي يفهم النص ببنيته السطحية ، وبين المخاطب البليغ الذي يدرك المعاني الثواني للنص أي (معرفته بالبنية العميقة )، فبهذا أصبح منهجة وتحليلاته أقرب الى المنهج التداولي الذي يركز على الوظيفة التواصلية بين المخاطِب والمخاطَب في إطار خطابي واحد(19) . والانزياح الوظيفي : هو المجاز الاسنادي الذي يكون في الإسناد أو التركيب وقد سُمّي كذلك لأنه متلقى من جهة الإسناد ، وهو المجاز العقلي أيضا(20) وهذا النوع من المجاز تستعمل فيه الألفاظ المفردة في موضوعها الأصلي ويكون المجاز عن طريق الإسناد وإذا ما ذهبنا نستقصي بحث هذا اللون من المجاز عند الأوائل لا نجدهم يشيرون إلى اسمه هذا أو الى اسمه الأخر«المجاز العقلي» وان كانت في كتاب سيبويه بعض أمثلته كقولهم «نهارك صائم» و«ليلك قائم»(21) وهذا الكلام محمول عنده على السعة والحذف. وفي كتاب (الكامل) للمبرد أمثلة أخرى من هذا اللون أيضا(22) والمبرد يذهب في ذلك مذهب سيبويه ، ويرى ان هذا الأسلوب مبالغة إلى جانب السعة والحذف. وترددت هذه الامثلة في كتاب الآمدي(23) وكتاب ابن فارس الذي سماه «اضافة الفعل الى ما ليس بفاعل في الحقيقية»(24) ولكن هؤلاء لم يسموه باسمه ويرجع الفضل في فصله عن المجاز اللغوي الى عبد القاهر الجرجاني الذي اولاه عناية كبيرة وقال في تعريفه «وحده أنّ كلّ كلمة اخرجت الحكم المفاد بها عن موضعة في الفعل لضرب من التأول فهو مجاز»(25) وسمّاه مجازا عقليا ومجازاً حكيماً ومجازاً في الاثبات واسناداً مجازياً(26)، وسماه السكاكي مجازاً عقلياً، وتابعه ابن مالك والقزويني ، وشراح التلخيص(27). وعلل المتأخرون هذه التسميات المختلفة فقال ابن يعقوب المغربي : «ومن الاسناد مطلقا مجاز عقلي لان حصوله بالتصرف العقلي ، ويسمى مجازا حكمياً لوقوعه في الحكم بالمسند اليه ، ويسمى أيضا مجازا في الإثبات.لحصوله في اثبات احد الطرفين للاخر ، والسلب حقيقة ومجازة نابع لما يحقق في الاثبات ، ويسمى ايضا اسناداً مجازياً نسبة الى المجاز بمعنى المصدر لان المجاز جاوز به المتكلم حقيقته وأصله الى غير ذلك(28) وسماه السيوطي «المجاز في التركيب»(29) ورأى السبكي ان يسمى «مجاز الملابسة» ولا يقال «مجاز اسناد» لقلة استعمال الاسناد بين الفعل وفاعله او ما قام مقامه(30) ولعل الذي دعاه الى ذلك انه وجد علاقته الملابسة كما يفهم من كلام القزويني ، وأنه لا بد منها في كل مجاز من هذا النوع وان عبد القاهر فتح السبيل للبلاغيين بدراسته العميقة لهذا النوع من المجاز ، وقد نبه العلوي الى هذه الحقيقة فقال «اعلم ان ما ذكرناه في المجاز الاسنادي العقلي هو ما قرره الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني واستخرجه بفكرته الصافية وتابعه على ذلك الجهابذة من اهل هذه الصناعة كالزمخشري وابن الخطيب الرازي وغيرهما»(31).وقد تحدث عبد القاهر الجرجاني عن الانزياح الوظيفي في كتابيه: «دلائل الأعجاز » و«اسرار البلاغة» وخلاصة ما قاله ان في الكلام مجازا يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة حتى قال :«انت ترى مجازا في هذا كله ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الالفاظ ولكن في أحكام اجريت عليها . أفلا ترى انك لم تتجوز في قولك «نهارك صائم» و«ليلك قائم»في نفس «صائم» و«قائم» ولكن في أن أجريتهما خبرين على النهار والليل ، وكذلك ليس المجاز في الآية في«ربحت» ولكن في اسنادها الى التجارة وهكذا....(32) .وقد أخذ الزمخشري آراء عبد القاهر وطبقها في تفسيره «الكشاف»(33)، وسار الرازي على خطاه وان خالفه أحيانا(34) وحينما وضع السكاكي علوم البلاغة وضعها الاخير قال «عنه – اقصد الانزياح الوظيفي- «هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل، إفادة للخلاف، لا بوساطة وضع؛ كقولك «انبت الربيع البقل»....الخ»(35) وعدّه القزويني مجازا بالاسناد ، وعرفه بقوله :«وأمَّا المجاز- يقصد الانزياح الوظيفي- فهو اسناد الفعل او معناه الى ملابس له غير ما هو له بتأول(36) وللفعل ملابسات شتى ذكرها القزويني ، فهو يلابس الفاعل والمفعول به ، والمصدر ، والزمان ، والمكان ، والسبب . ويكاد يتفق البلاغيون على أن الانزياح الوظيفي : «هو اسناد الفعل أو ما في معناه الى غير ما هو له ، لعلاقة مع قرينه مانعة من ارادة الاسناد الحقيقي»(37) وبذلك فأشهر علاقات المجاز العقلي هي : المفعولية ، فيما يبنى للفاعل وأسند الى المفعول به الحقيقي كقوله تعالى «عيشة راضية»(38)؛ وهي مرضية .والفاعلية ؛ فيما يبنى للمفعول وأسند الى الفاعل الحقيقي مثل «سيل مفعَم» والسيل هو الذي يفعِم ولا يفعَم. والمصدرية؛ فيما يبنى للفاعل واسندا الى المصدر مثل ، قول الشاعر أبي فراس «سيذكرني قومي إذا جدّ جِدّهم» . والزمانية فيما يبنى للفاعل واسند الى الزمان مثل قوله تعالى «والضحى، والليل اذا سجى»(39). والمكانية فيما بنى للفاعل وأسند الى المكان كقوله تعالى «وجعلنا الأنهار تجرى من تحتهم»(40) والنهر لا يجري لانه مكان جري الماء . والسببية ؛ فيما بني للفاعل وأسند الى السبب مثل «بنى الأمير المدينة» والأمير لا يبني بل هو سبب البناء لأنه جرى بأمر منه (41). الرؤية الجديدة في الدراسة والتحقيق الرؤية الجديدة في الدراسة : والرؤية الجديدة في هذه الدراسة يمكن ان تنطلق من اختلاف المفاهيم ،وفي اختلاف المفاهيم يمكن ان نقف عند مفهومين للانزياح الوظيفي، وهما :الاول ؛ مفهوم الانزياح الوظيفي المستخلص من المفهوم العام للإنزياح (المجاز) ؛ وذلك يتضح في كون المجاز فناً قديماً قدم التعبير الادبي عرفه المتقدمون وتكلم عليه ارسطو في كتابيه «فن الشعر» و «الخطابة» واستعمله العرب في كلامهم بعد ان تطورت اللغة العربية وأصبحت ألفاظها الوضعية تضيق بالمعاني الجديدة . وتحدث البلاغيون والنقاد عن المجاز وتعرض له الجاحظ ويريد به معناه الواسع كالاستعارة التي هي من باب المجاز(42) . وكتب ابن قتيبة بحثا مستفيضا عن المجاز في كتابه «تأويل مشكل القران» الذي كان ردا على مطاعن وجهها الملاحدة الى كتاب الله (43) . ووضعت كتب في المجاز منها كتاب «مجاز القران» لابي عبيدة الذي عالج فيه كيفية التوصل الى فهم المعاني القرآنية باحتذاء أساليب العرب وسننهم في وسائل الإبانة عن المعاني ، ولم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الاية .وألف الشريف الرضي كتابين عما «تلخيص البيان في مجازات القران» و «المجازات النبوية» والمجاز عنده واسع يشمل صوره كلها .وكان للمجاز نصيب كبير في كتب البلاغة والنقد ولكنه لم يأخذ صورته العلمية الدقيقة الا حينما ألف عبد القاهر الجرجاني كتابيه . وقد أوضح معنى الحقيقة قبل كل شيء وقال : «اعلم ان حد كل واحد من وصفي المجاز والحقيقة اذا كان الموصوف به المفرد غير حدّه اذا كان الموصوف به الجملة . وأنا أبدأ بحد هما في المفرد كل كلمة اريد بها ما وقعت له في وضع واضع وان شئت قلت في مواضعة وقوعا لا تستند فيه الى غيره فهي حقيقة . وهذه العبارة تنتظم الوضع الاول وما تأخر عنه كلغة تحدث في قبيلة من العرب او في جميع العرب أو في جميع الناس مثلا أو تحدث اليوم . ويدخل فيها الاعلام منقولة كانت كزيد وعمرو او مرتجلة كغطفان وكل كلمة استؤنف لها على الجملة مواضعة أو ادعي الاستئناف فيها» (44) وحدها في الجملة بقوله : «فكل جملة وضعتها على ان الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل وواقع موقعه منه فهي حقيقة ، ولن تكون كذلك حتى تعرى من التأول . ولا فصل بين ان تكون مصيبا فيما أفدت بها من الحكم او مخطئا وصادقا او غير صادق»(45) وقال في «المجاز مفعل من جاز الشيء يجوزه اذا تعداه . واذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وصف بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي او جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولا»(46).وقال : « وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول فهي مجاز . وان شئت قلت : كل كلمة جزت بها ما وقعت له في وضع الواضع الى ما لم توضع له من غير ان تستأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوز بها اليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها فهي مجاز»(47) .وقال : «وأما المجاز فقد عول الناس في حده على حديث النقل وان كل لفظ نقل عن موضوعه فهو مجاز»(48).ولا بد من أن يكون للمجاز أصل انتقل منه الى المعنى الجديد ، وان يكون ذلك الأصل ملاحظاً(49). والتجوز ليس في اللفظ وانما في معناه (50) وعبد القاهر في ذلك يظل متمسكاً بنظريته في نظم الكلام وقد أرجع اليها الصور البيانية ، فقال : «ان هذه المعاني التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها من مقتضيات النظم وعنها يحدث وبها يكون لانه لا يتصور ان يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيما بينها حكم النحو»(51) . وقسم المجاز الى عقلي ولغوي وسمى العقلي في دلائل الاعجاز « المجاز الحكمي» وقال عنه «وهو ان يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط وتكون الكلمة متروكة على ظاهرها ويكون معناها مقصودا في نفسه ومرادا من غير تورية ولا تعريض»(52) وسماه في أسرار البلاغة مجازا في الاثبات ومجازا اسناديا ومجازا عقليا قال : «اعلم ان المجاز على ضربين : مجاز من طريق اللغة ومجاز من طريق المعنى والمعقول . فإذا وصفنا بالمجاز الكلمة المفردة كقولنا «اليد» مجاز في النعمة و«الاسد» مجاز في الانسان وكل ما ليس بالسبع المعروف كان حكما أجريناه على ما جرى عليه من طريق اللغة لأنا أردنا أن المتكلم قد جاز باللفظة أصلها الذي وقعت له ابتداء في اللغة وأوقعها على غير ذلك اما تشبيها واما لصلة وملابسة بين ما نقلها اليه وما نقلها عنه . ومتى وصفنا بالمجاز الجملة من الكلام كان مجازا من طريق المعقول دون اللغة . وذلك ان الأوصاف اللاحقة للجمل من حيث هي جمل لا يصح ردها الى اللغة ولا وجه لنسبتها الى واضعها لان التأليف هو إسناد فعل الى اسم أو اسم الى اسم وذلك شيء يحصل بقصد المتكلم»(53) وقال في تعريف المجاز العقلي : «حدّه أنّ كل جملة اخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه من العقل لضرب من التأول فهي مجاز»(54) ولم يقبل ما ذهب اليه بعضهم من أن المجاز لون واحد ، وتمسك بتقسيمه الى عقلي ولغوي وبذلك كان أول من ميز بين هذين النوعين وعد مبتكرا للعقلي . قال الدكتور طه حسين : «اما المجاز العقلي فهو من ابتكار عبد القاهر ويصح ان نسميه المجاز الكلامي»(55) وهذا ما ذهب اليه يحيى بن حمزة العلوي حينما قال: «اعلم إن ماذكره في المجاز الاسنادي العقلي، هو ما قرره الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجاني واستخرجه بفكرته الصافية وتابعه على ذلك الجهابذة من أهل هذه المدن كالزمخشري وابن الخطيب الرازي وغيرهما»(56) وقال محمد عبد المنعم خفاجي انه ليس اول من تكلم على اسلوب المجاز العقلي بل تقدمه كثير من علماء العربية كسيبويه والمبرد والآمدي وابن فارس ، وان ما أيده الدكتور طه من أن المجاز العقلي هو من ابتداع عبد القاهر وحده ليس صحيحا(57) ولا نظن ان المقصود بكلام الدكتور طه حسين ان عبد القاهر هو الذي أوجد هذا الفن ، وانما قصده انه وضع لهذا اللون من المجاز مصطلحا فسماه عقليا واسناديا وحكميا ، وفي الاثبات ، وميزه عن الاخر وفصل القول فيه . والامثلة التي ذكرها واعادها الدكتور تدل على انه لون عرفه العرب منذ الجاهلية وجاء في القرآن الكريم (58). وقد ذكر سيبويه والمبرد والآمدي وابن فارس وغيرهم امثلة له ولكنهم لم يطلقوا عليه مصطلحا ولم يفرقوا بينه وبين المجاز اللغوي ،ومن هنا كان عبد القاهر مبتكراً للمجاز العقلي بهذا المعنى(59).والمفهوم الثاني وهو في صلب الرؤية الجديدة لهذه الدراسة ؛ وينطلق من مدى مرجعية الانزياح الوظيفي المتأرجحة فيما بين علمي المعاني والبيان.ومما يؤيد ما نذهب اليه ان السكاكي نفسه جعل علم البيان شعبة من علم المعاني ، يقول «ولما كان علم البيان شعبة من علم المعاني لا تنفصل عنه الا بزيادة اعتبار جرى منه مجرى المركب من المفرد لا جرم آثرنا تأخيره» (60)فالسكاكي يقرر ان البيان شعبة من المعاني ولا ينفصل عنه الا بزيادة اعتبار ، ولكنه لم يوضح هذه الزيادة وعلى كل حال فهذا اعتراف منه بأن لا حاجة الى فصل المعاني عن البيان لانهما مرتبطان اشد الارتباط ، ومتداخلان أعظم التداخل . ولكن أنّى له ان يعترف بهذا صراحة وهو الذي يريد ان يجعل من البلاغة علوما شتى وليس له بعد ذلك الا ان يفصلهما ويلتمس التعليل لذلك ينص على ان البيان شعبة من علم المعاني لا تنفصل عنه الا بزيادة اعتبار . وهذا من السكاكي امعان في التمحل واسراف في التقسيم وقد تابعه في هذا التمحل والاغراق في التقسيم كثيرون فقال السبكي : «انَّ علم البيان باب من أبواب علم المعاني وفصل من فصوله ، وانما افرد كما يفرد علم الفرائض عن الفقه» ، وقال أيضا انَّ علم المعاني وعلم البيان متداخلان(61). ونستنتج مما تقدم أنَّ مطابقة الكلام لمقتضى الحال تشمل مباحث البلاغة كلها ، وان تتبع خواص تركيب الكلام لا تخص نوعاً واحداً من اقسام البلاغة، وأنَّ الاستحسان والاستهجان ينطبق على موضوعات البلاغة كلها ، وأنَّ ايراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه وبالنقصان لا يخص البيان وحده ، وانما يشمل جميع مباحث البلاغة يضاف الى ذلك أنَّ الاحتراز عن الخطأ ينطبق على البلاغة كلها كما اتضح من تعريف السكاكي للمعاني والبيان . وعلى هذا الاساس فلا فائدة من تقسيم البلاغة هذا التقسيم المنطقي ما دام كل من المعاني والبيان والبديع يشترك في الخصائص المتقدمة. ويتضح خطأ هذا التقسيم في عدم استقرار موضوعات البلاغة عند السكاكي ، فهو يذكر في علم المعاني مباحث من علم البديع ، ويذكر في علم البيان موضوعات أدخلها غيره في علم المعاني.ولتوضيح هذا الاضطراب نذكر ما يؤيد قولنا وما نذهب اليه فأول ما نلاحظه ان السكاكي تكلم على الحقيقة العقلية والمجاز العقلي في علم البيان ولكنه أنكر المجاز العقلي بعد أن تكلم عليه ومثَّل له وذكر أقسامه ومسائله ، ورأى ان هذا النوع من المجاز ينبغي أن ينظم في سلك الاستعارة بالكناية.(62) . وتحدث الخطيب القزويني عنه في علم المعاني وذكر أن الاسناد منه حقيقة عقلية ومنه مجاز عقلي ، ورد على السكاكي ، لانه نظم المجاز العقلي في سلك الاستعارة بالكناية ، وعلل سبب ذكره في مباحث علم المعاني بقوله : «انما ام نورد الكلام في الحقيقة والمجاز العقليين في علم البيان كما فعل السكاكي ومن تبعه لدخوله في تعريف علم المعاني دون تعريف البيان»(63) . ومن هذا نرى ان السكاكي نفسه كان مضطربا في وضع المجاز العقلي فهو بعد ان تكلم عليه وذكر صوره ، عاد فأنكره وعدّه نوعا من الاستعارة . وكان غيره من القدماء مختلفين في هذا النوع من المجاز فمنهم من يضعه في البيان كما فعل السكاكي – وان انكره بعد ذلك – ومنهم من يضعه في المعاني كما فعل القزويني . وما احرى هؤلاء ان يفردوا له بابا خاصا – إنْ ارادوا بحثه – ويجعلوه أحد مباحث البلاغة بعد أنْ يلغوا التقسيم الثلاثي ، وبذلك تتلخص البلاغة من هذا النزاع الذي ليس فيه جدوى ، والذي لا يؤخر او يقدم في بحث فنون البلاغة ولكنهم قوم مولعون بالتحديد والتقسيم، فما داموا قد قسموا البلاغة الى معان وبيان وبديع فلا بد ان يتسابقوا في تحديد بحوث كل قسم ، وان يوردوا من الحجج العقلية والادلة المنطقية ما يقوي رأيهم ويجعل له رواجا بين الدارسين(64) وسار السكاكي في ضوء هذه الشبهة فأنكر المجاز العقلي ، ونظمه في سلك الاستعارة بالكناية ، مع أنّ علاقة الاستعارة المشابهة وعلاقته خلاف ذلك .وعدّ القزويني هذا المجاز مجازا بالاسناد ، وأخرجه من علم البيان وأدخله في علم المعاني وعقد له فصلا بعنوان«الاسناد منه حقيقة عقلية ومنه مجاز عقلي» وقال عنه : «اننا لم نورد الكلام في الحقيقة والمجاز العقليين في علم البيان كما فعل السكاكي ، ومن تبعه لدخوله في تعريف علم المعاني دون تعريف علم البيان»(65) .وبذالك نشاهد السكاكي (ت: 626هـ) منكرا للمجاز العقلي تارة ومثبتاً له تارة أخرى(66) وقد وافقه على ذلك القزويني (ت:739هـ) وعدَّه مجازا بالاسناد وقد أخرجه من علم البيان ، وأدخله في علم المعاني ، متناسياً ان المجاز العقلي انما يدرك بالاسناد بينما نجده معترفاً به ، ومعقباً لأقسامه وتشعباته بعد حين ، مما يعني عدم وضوحه لديه(67)وقد تابع هذا التأرجح صاحب الطراز فقال : «والمختار ان المجاز لا مدخل في الأحكام العقلية ، ولا وجه لتسمية المجاز بكونه عقليا ، لان ما هذا حاله إنما يتعلق بالأوضاع اللغوية دون الأحكام العقلية.(68) وهذا الاخراج للمجاز العقلي لا يستند الى قاعدة بلاغية ، وتعارضه دلائل الاحوال ،لان المجاز العقلي هو طريق البلاغيين في الاستنباط ، وسبيلهم الى اكتشاف المجهول بنوع من التأول والحمل العقلي ، ويتم ذلك بالاسجلاء لأحكام الجملة في التركيب ، وان بقيت الكلمات على حقيقتها اللغوية دون تجوز . واليه يميل الزركشي (ت : 794هـ) بعده المجاز العقلي هو الذي يتكلم به أهل الصنعة بقوله عنه : «وهو ان تسند الكلمة الى غير ما هي له أصالةً لضرب من التأول ، وهو الذي يتكلم به أهل اللسان»(69) وقد كان عبد القاهر – كما سنرى فيما بعد – قد أولى هذا النوع من المجاز عناية فائقة وعدّه كنزاً من كنوز البلاغة ، وهو مادة الابداع عند الكاتب والشاعر ، وسبيل الاتساع في طرق البيان قال: «وهذا الضرب من المجاز على جدته كنز من كنوز البلاغة ، ومادة الشاعر المفلق ، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان ، والاتساع في طرق البيان ،وان يجيء بالكلام مطبوعاً مصنوعا ، وان يضعه بعيد المرام ، قريبا من الافهام(70) وليس ملزما لاحد ما ذهب اليه بعضهم من ان المجاز العقلي من مباحث علم الكلام ، وأولى ان يضم اليه ، لانه كما اتضح من تفصيلات عبد القاهر ، وأشارات القزويني ، يعد كنزاً من كنوز البلاغة ، وذخرا يعمد اليه الكاتب البليغ والشاعر المفلق والخطيب المصقع ، وليس أدل على ذلك من ان القدماء استعملوه في كلامهم ؛ وان القرآن الكريم حفل بألوان شتى منه ، وان البلاغيين والنقاد أشاروا اليه وذكروا أمثلته ، وان لم يطلق عليه الاسم الا مؤخرا على يد عبد القاهر . وهذا كله يدل على ان المجاز العقلي لون من ألوان التعبير ، وأسلوب من أساليب التفنن في القول ، ولا نخرجه من البلاغة افساد المتأخرين له ، وادخال مباحث المتكلمين فيه عند تعرضهم للفاعل الحقيقي(71) . وقد كان سعد الدين التفتازاني (ت : 791هـ) موضوعياً حينما رد القزويني لإدخاله المجاز العقلي في مباحث علم المعاني فقال : «لأن علم المعاني إنما يبحث عن الأحوال المذكورة من حيث انها يطابق بها اللفظ مقتضى الحال . وظاهر إن البحث في الحقيقة والمجاز العقليين ليس من هذه الحيثية فلا يكون داخلاً في علم المعاني . وإلا فالحقيقة والمجاز اللغويان أيضا من أحوال المسند إليه أو المسند»(72) وبذلك يكون القزويني ، أحد بلاغيي القرن الثامن للهجرة ، قد ذهب بعيداً ، حين بحث المجاز العقلي ضمن مباحث علم المعاني ، بدعوى أنّه يقوم على الاسناد ، وذكر أن الاسناد منه يكون حقيقة عقلية ، ومنه مجاز عقلي وأنّ المسمى بالحقيقة العقلية ، والمجاز العقلي الاسناد ، فلا أساس صحيح لفكرته هذه(73). وهكذا يتجلى بشكل واضح بأنّه لا توجد حدود فاصلة بين كل من هذين اللونين المجازيين – المجاز العقلي والاستعارة المكنية – وإنّما يتسم كل منهما بنفس السمات ، كما أنّ كلاً منهما يحققان للشاعر نفس الغايات والأهداف التي يبتغيها في تعبيره(74) وبذلك ترى الباحثة ؛ ساهرة عبدالكريم أنّه لا وجه لإفراد كل واحد منهما تحت باب مستقل كما فعل عبد القاهر وغيره من البلاغيين الذين تأثروا بتحديدات و تفريعات علماء المنطق والفلاسفة إذ أنّ تلك الحدود التي أوجدوها مصطنعة ، لا مبرر لها إطلاقا(75) لذا كانت ترى الباحثة : أنّه من الأفضل أن توَحد مباحث هذين اللونين المجازيين تحت باب واحد فإن لم يكن تحت باب الاستعارة المكنية ، فليكن في المجاز العقلي ، لا سيّما أن كلّاً منهما يحققان للشاعر الأهداف نفسها في تجسيم المعنى والتوسع في دلالات الألفاظ معتمدة بذلك على قول السكاكي «المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل أفادة للخلاف لا بوساطة وضع»(76). الذي لمس ذلك التقارب بين هذين اللونين المجازيين ، فأدخل المجاز العقلي ضمن الاستعارة بالكناية . وقد خلص الى هذه النتيجة الخطيب القزويني عندما قال : «وأنكر السكاكي وجود المجاز العقلي في الكلام وقال الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية«(77)، وعلى الرغم من هذا وذاك (فالانزياح الوظيفي) ؛ يعتمد على الإسناد ، ويعرف باعتبار طرفيه ؛ المسند ، والمسند إليه ؛ لأنّه ، إنّما يقع في الجملة ، والجملة تعرف بالتركيب ، ولا علاقة لذلك بالألفاظ ذاتها دون اسنادها ، لأنه ليس من باب اللفظ المفرد ، فينظر إليه في الاستعارة بالكناية ؛ كما يزعم السكاكي . ولا نتفق مع الخطيب القزويني عندما بحثه ضمن مباحث علم المعاني ، بدعوى الاسناد لأنه مجاز مركب يتضح في الاسناد كما زعم الخطيب القزويني – لكن بحكم العقل وليس بحكم التركيب الذي هو موضوع علم المعاني الذي يتم حسب مقتضى الحال وليس بحكم العقل . وبذلك فالانزياح الوظيفي ؛ مجاز مركب لا يتضح إلا في التركيب ؛ أي أنه يتضح في أكثر من مفردة لغوية واحدة وبذلك فلا يمكن بحثه ضمن مباحث علم المعاني . كما يزعم الخطيب القزويني كما لا يمكن بحثه في الاستعارة بالكناية ؛ لأنها مجاز لغوي يتم في المفرد ، ويمكن أن يتضح في مفردة لغوية واحدة ، ولذلك فليس من الصائب ؛ أن ينكره السكاكي في الكلام ، ويضعه – حسب رأيه – في سلك الاستعارة بالكناية ، بدعوى التقارب بين هذين اللونين المجازيين.وبذلك لا نتفق مع مَنْ ذهب الى «أنه لا توجد حدود فاصلة بين كل من هذين اللونين»(78) فضلاً عن الموافقة التامة مع ما ذهب إليه عبد القاهر الجرجاني وغيره من البلاغيين الذين أفردوا باباً مستقلاً لكل من المجاز العقلي والاستعارة المكنية. إذن فلا داعي للخلط بين هذين اللونين من المجاز ؛ الاسنادي والافرادي لأن كلاً منهما يظهر مظهراً يختلف عن الآخر ، فالاسنادي يعتمد على التركيب والافرادي يتضح في مفردة لغوية واحدة(79).الرؤية الجديدة في التحقيقالرؤية الجديدة في التحقيق؛ تنطلق من مدى صحة الأحاديث موضوعة البحث، التي أستشهد بها في هذا المجال، فبعد تأمل الأحاديث التي رواها الشريف الرضي في ((المجازات النبوية)) مستشهداً بها على الانزياح الوظيفي، ومقارنتها برواية تلك الأحاديث في كتب الحديث المعتمدة، ظهر هناك عدم وجود لبعض تلك الاحاديث، فضلاً عن وجود أختلافات في روايتها، أضف الى ذلك عدم الإشارة الى مصادرها الأصلية، وغض النظر عن ((التزاوج الصوري))(80) الذي كانت تتضمنه هذه الاحاديث وهذا الخلل التوثيقي والعلمي ربّما يؤثران في مدى أعتمادها علمياً والشك في مدى صلاحيتها للإستشهاد. وقد أشتهر الإنزياح الوظيفي، بوجود علاقات معينة ظهرت من خلال الاسناد المجازي؛ فقد كان الاسناد الى سبب الفعل، أو زمانه، أو مكانه، أو مصدره، أو بإسناد المبني للفاعل الى المفعول، أو المبني للمفعول الى الفاعل. وسأناقش تلك الأمور الخاصة بالتوثيق، في كل علاقة من علاقات الإنزياح الوظيفي، عندما أعرض تلك الأحاديث المستشهد بها في هذا المجال. ومن أشهر تلك العلاقات ما يلي: أولاً: السّببية: وهي الإسناد الى السبب؛ وممّا رواه الشريف الرضي في مجازاته مستشهداً به على هذه العلاقة قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأُسامة بن زيد وقد كساه قبطبة، فكساها امرأته؛ فقال: ((أخاف أن تصف حجم عظامها))(81). والكثير من كتب الحديث روته بعدم ذكر لفظة ((حجم))(82) ولا أجد أيّ معنىً لذكر هذه الكلمة، وعلى الرغم من المجاز الإنزياحي الموجود في هذا الحديث كما سيأتي فالإعجاز النبوي الشريف ذكر ((العظام)) كناية عن الجسم بلحمة ودمه الذي ترفع صلى لله عليه وآله وسلم عن ذكره تعففاً وابتعاداً عمّا يثير الشهوة عند الإنسان، وهذا مما يدل على التزاوج الصوري أو تكثيف الصورة التي من شأنها توصيل المعنى بشكل دقيق وعفيف. فقد أعتمد الشريف الرضي، هذا الحديث شاهداً من شواهد الإنزياح الوظيفي لعلاقة ((السببية))؛ لأن فيه إسناد فعل الوصف الى ضمير الثوب، لأنه يلابسه ملابسة السبب، وأنما الذي يستحق الاسناد إليه هو الإنسان، الذي تنتقل الى ذهنه هذه الصفات المرئية؛ بسبب التصاق الثوب بالجسم لخفته ورقته، وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: أخاف أن يصف الواصف عظامها بلبس القطبية(83)، وربّما زاد هذا البيان روعة أطلاق العظام وارادة الجسم على المجاز المرسل، ووجه اختصاص هذا الجزء بخوف وصفه أنه مدار غيره من المواد التي يتركب منها البدن؛ فبه يظهر الطول والقصر، وانبساط الصدر، وسعة العجيزة، وغير ذلك مما تتعلق به الأبصار وتزيغ الأفكار من فاقد الاستبصار(84). ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أتقوا الظلْم، فان الظلم، ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحَّ فإنّ الشحّ أهلك مَنْ كان قبلكم حَمَلَهم على أن سفكوا دماءَهم واستحلو محارمهم))(85).والتزاوج الصوري، وتكثيف الصورة واضحان كل الوضوح في هذا الحديث الشريف من خلال تكرار لفظتي ((الظلم والشح)) فضلاً عن المبادلة الحاصلة في الانتقال من الخطاب الى الغيبة على الرغم مما في هذا الحديث الشريف من انزياح وظيفي واضح المعالم في علاقة ((السببية))؛ فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فإنّ الشحّ أهلك)) فإن نسبة الاهلاك الى الشحّ من باب الانزياح الوظيفي لأنه هو سبب الاهلاك، ففي الحديث الشريف تحذير من مرض اجتماعي خطير ألا وهو الشحّ والبخل، لأن المجتمع الإسلامي، مجتمع التكافل والتضامن والتعاون بين أفراده، فإذا فشا البخل فيه عمت العداوة والبغضاء بين الفقير والغني ولذا فإن البخل سبب لهلاك الأمم السابقة، حيث دفعهم الى سفك الدماء، وقتل النفس، واستحلال المحارم التي حرمها الله تعالى، فما أقبح الظلم والشح وما أشنع عاقبتهما الوخيمة التي هي سبب الاشقاء الدائم والخسران المبين. (86) ومن تلك الأمثلة أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقعْ))(87). يقول الشريف الرضي: ((اليمين الفاجرة على الحقيقة لا تخرب الديار... وأنما المراد أن الله سبحانه، اذا اقدم الحالف على اليمين الفاجرة أستهانه بها واستهزاءً بالعقوبة، المرصدة عليها ، قطع الله دابره وأخرب منازله...))(88). لذلك نجده صلى الله عليه وآله وسلم، أسند تدع الى اليمين الفاجرة، مع أن الفاعل هو الله سبحانه، وأنما هي سبب لخراب الديار، فأسند الفعل الى سببه، والبلاقع جمع بلقع: وهي الأرض القفر التي لا شئ فيها، وفي هذا الحديث دلالة على ما لهذا الفعل من العقوبة الكبيرة في الدنيا والأخرة. ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد خرج ذات يوم محتضناً الحسن أو الحسين عليهما السلام: ((إنْكم لتُجبِّنون، وتُبخِّلون، وتُجهِّلون))(89). وقد روته كتب الحديث؛ بعدم وجود ((وتُبخِّلون)) وبزياد ((وأنكم من ريحان الله))(90).وكان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، يُريد به: (أنّكم لتُجَبِّنُ الناس آباءكم، وتُبخِّلُهم وتُجهِّلُهم)، فأضاف هذه الأحول الى الأبناء إذ كانوا شبهاً للأباء، وهذا إنزياح وظيفي علاقته (السببية) فقد أسند الفعل سببه، وهو الأبناء، لأن الضمائر التي هي واوات الجماعة في الأفعال الثلاثة عائدة الى الأبناء، والأبناء لا يُنسبون الى الجبن وإنّما يُنسب أباؤهم إليه بسببهم. وأصل الكلام: (ليجبنكم الناس ويبخلونكم ويجهلونكم)، فلما حذف الفاعل وهو الناس، أسند الفعل الى المفعول به، وفي الحقيقة؛ الناس لا يجبنون الأولاد، وإنّما يجبنون أباءَهم؛ لأنهم لخوفهم عليهم يبتعدون عن الحرب، ويحرصون على المال ويقضون أوقاتهم في طلب الرزق فلا يسعون الى العلم.(91).ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من أمير عشيرة إلّا وهو يجئ يوم القيامة مغلولةً يداه الى عنقه حتى يكون عمله الذي يطلقه أو يوتغه))(92). وقد روته كتب الحديث بالشكل التالي: ((ما من أمير عشيرة إلّا ويؤتى به يوم القيامة مغلولاً حتى يفكه العدل أو يوبقه الحق))(93). وفي هذا الحديث أنزياح وظيفي علاقته (السببية) كذلك، فقد أسند صلى الله عليه وآله وسلم: يُطلق ويوتغ الى ضمير العمل والذي يُطلق ويُهلك هو الله تعالى، أما العمل فهو سبب الهلاك. وكان يريد صلى الله عليه وآله وسلم؛ إن كان عمله صالحاً أطلق الله تعالى عنه ربقه وثاقه، وإن كان عمله طالحاً زاده الله تعالى خناقاً الى خناقه وإنما أضاف صلى الله عليه وآله وسلم، هذه الأفعال الى السبب مباشرة، فكانت علاقته ((السببية)).ومن ذلك قول الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: ((كلُّ هوىً شاطِن في النار))(94)، وقد روت كتب الحديث هذا الحديث نفسه(95)، والإنزياح الوظيفي في قوله (هوىً شاطن، المقصود: صاحب الهوى، والشاطن: هو البعيد عن الحق وسمّي الشيطان شيطاناً لأنّه شَطَنَ عن أمر ربه، وأبعد في الغي، والهوى الشاطن هو في الحقيقة سبب دخول صاحبه النار، فالعلاقة إذن هي السّببية. ثانياً: الزمانية؛ وهي الإسناد الى الزمان، ومن أمثلة تلك العلاقة، قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ ((يكون قبْل الدّجال، سنون خدّاعة))(96)، وقد رواه الإمام (أحمد في مسنده، بالشكل التالي: ((قبل الساعة سنون خدّاعة، يكذّب فيها الصادق، ويُصدّق فيه الكاذب، ويخوّن فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة...))(97).فقد وضحّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنا السنون الخداعة بأسلوب المقابلة البديعي في قوله: ((يكذب الصادق، ويصدق الكاذب، ويخوّن الأمين أو يؤتمن الخائن))، بالإضافة الى ما فيها من محول وقلة في الأمطار والجدب والقحط، وهذا ما وصفناه بالتزاوج الصوري وتكثيف الصورة الكفيل بتوصيل المعنى بدقة متناهية. ويقول الشريف الرضي: ((إنَّ المراد اتصال المحول، وقلة الأمطار في تلك السنين،... وقال عليه الصلاة السلام ((سنون خدّاعة))، والمطر هو الخادع إلّا أن خدع المطر لما فيها حَسُنَ إجراء الاسم عليها))(98). ففي هذا الحديث إنزياح وظيفي علاقته الزمانية اذ أسند الخداع الى السنين في قوله ((خدّاعة)). فخدّاعة صيغة مبالغة من الخداع، وفيها ضمير تقديره هي يعود على السنين، وهو فاعل لأسم الفاعل، والخدّاعة في الحقيقة، إنما هي السحب، لأنها هي التي يتخيل الأنسان أنها ستمطر ثم لا تمطر، فاسناد خدّاعة الى السنين مجاز عقلي، لأنّ الأصل سنين خدّاعة أمطارها، فحذفت الأمطار وحول الاسناد الى السنين. ومنها أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ((اللهم إني أحمَدُك على العِرق الساكن، والليل النائم))(99).وهذا الحديث لم أجده في كتب الحديث، ولا أدري كيف اعتمده الشريف الرضي شاهداً من شواهده على الانزياح الوظيفي ولعلّي أكون مخطئاً، وعلى الرغم من ذلك، أعتمد رواية الشريف الرضي في توضيح الإنزياح الوظيفي في هذا الحديث؛ فوصْف الليل بالنوم مجاز لأن النوم إنما يكون فيه لا منه، ولكنه لما كان مطيةً للنوم، وظرفاً له حسن أن يوصف به ويضاف إليه.(100)، فإسناد أسم الفاعل الذي هو (نائم) الى (الليل) إنزياح وظيفي، لأن في النائم ضميراً يعود على الليل، والليل ليس بنائم وإنما هو ظرف لنوم الانسان، فهو اسناد ما في معنى الفعل الى ظرفه وزمانه. ثالثاً: المكانية: وهي الإسناد الى المكان، ومن أمثلة تلك العلاقة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خير المال عين ساهرة، لعين نائمة))(101)، والعين الساهرة عين الماء الثرّة تفيض به في الليل كالنهار، فأشبهت الإنسان الساهر، وإنما الذي يهمنا هنا بقبة الحديث، لاسناده ما في معنى الفعل وهو الوصف بالنوم الى العين، وانما الذي يستحق الوصف هو ما فيها على الحقيقة، اذ ليس النوم، انطباق الجفنين، بل هو أمر يختص بالجهاز العصبي وقوّة الادراك(102).ولم أجد هذا الحديث في مصادر الحديث الأصلية، ولا أدري كيف صحّ الاستشهاد به في هذا المجال؟ ولعلّي أكون مخطئاً ومن خلال البحث والتقصي وجدت حديثاً آخر يحمل عبارة ((خير المال)) ولكنه لا يصلح شاهداً لهذه الدراسة وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خير المال؛ سكة مأبورة، وفرس مأمورة))(103)؛ لأنّ: السكة المأبورة، هي السطر من النخيل لقح ليثمر، فالمأبورة، هي النخلة الملقحة، والفرس المأمورة؛ هي المهرة الكثيرة النتاج، والمأمورة جاءت هكذا للإزدواج، أي تجمع فيما بين اسم الفاعل والمفعول في آنٍ معاً، ولذلك لم يقل صلى الله عليه وآله وسلم ((مُؤَمَرة)). فقال ((مأمورة)) لانها وأن كانت منتجة، فهذا النتاج لم يكن إلّا بإذن الله وتوفيقه، فربما مثلتْ ((مأمورة)) الإنزياح الوظيفي لعلاقة ((المفعولية))التي ستدرسُ لاحقاً. ومنها أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((المجالس ثلاثة سالم وغانم وشاجب))(104)، وهذا القول انزياح والمراد أن أهل هذه المجالس الثلاثة سالمون، وغانمون وشاجبون، والشاجب الهالك، والشَجَب الهلاك، فجعل عليه الصلاة والسلام هذه الصفات للمجالس وهي على التحقيق لأصحاب المجالس، ولكنها لما فكانت مشتملة على أهلها حسن إجراء صفاتها عليها، ومعنى هذا أن المجلس الذي لا يذكر فيه

فالإنزياح الوظيفي؛ هو المصطلح الحديث المتداول اليوم لـ ((المجاز العقلي)) المعروف قديماً عند البلاغيين العرب، وهو المجاز الإسنادي، الذي يكون في الإسناد، أو في التركيب الذي يتوصل إليه بحكم العقل، وليس بالتركيب حسب مقتضى الحال، ويكاد يتفق البلاغييون على: أنّ الإنزياح الوظيفي؛ هو: ((أسناد الفعل أو ما في معناه الى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إدارة الأسناد الحقيقي)). وبذلك فأشهر علاقات الإنزياح الوظيفي، هي: السّببية، والزمانية، والمكانية، والمصدرية، والمفعولية. وقد أوضحت الرؤية الجديدة للدراسة: أن الإنزياح الوظيفي هو مجاز مركب، لا يتضح إلا في التركيب ((الاسنادي الذي يكون بحكم العقل، ليس بحكم تركيب المفردات حسب مقتضى الحال، الذي يؤكده علم المعاني. فضلاً عن ذلك لا يمكن بحثه في الاستعارة بالكناية؛ لأنها مجاز لغوي يتم في المفرد. ولذلك فلا داعي للخلط فيما بين هذين اللونين من المجاز: الاسنادي والإفرادي؛ لأنّ كل منها يظهر مظهراً يختلف فيه عن الآخر فالاسنادي يعتمد على التركيب بحكم العقل، والإفرادي، يتضح في مفردة لغوية واحدة. كما أن الرؤية الجديدة في التحقيق؛ أكدت، أنّه لا بدّ من توثيق الأحاديث موضوعة البحث، والإعتماد في توثيقها على مصادرها الأصلية المتمثلة في كتب الحديث المعتمدة وذلك شرط من شروط صحة الاستشهاد بها.


Article
The Image of Hypocrisy in the Holy Hadeeth:A Rhetorical Study
صورة النفاق بلفظه الصريح في الحديث النبوي الشريف (دراسة موضوعية بلاغية)

Loading...
Loading...
Abstract

The present research is a thematic and rhetorical study of a group of hadiths in whichthe topic of hypocracy and hypocrite is explicitly mentioned . The research is extractedfrom an M.A thesis . The research falls into three sections . The first deals with thedepiction of hypocracy as it first emerged . The second section is about this social defictas related to morals and ethics . The last section presents an account of the relationshipbetween hypocracy and lie and related thing .It is worth – mentioning that the rhetorical analyses correct out in the research giveprobable rather than certain findings in the light at the researcher's ability .

يتناول البحث مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكر فيها موضوع النفاق والمنافقون بصورة صريحة دراسة موضوعية بلاغية . تتضمن الدراسة ثلاثة مباحث ، بعد تمهيد تناولنا فيه معنى النفاق في للغة والاصلاح ، ومدى خطورته على المجتمع الاسلامي . وقد تناول المبحث الأول منها تصوير النفاق في بذوريه الاولى ، إما المبحث الثاني فتناول النفاق ، بوصفه مرضا اجتماعي بما يرتبط بالأخلاق والآداب ، واما المبحث الأخير فقد تناول العلاقة فيما بين النفاق والكذب وما يتصل به .

Listing 1 - 2 of 2
Sort by
Narrow your search

Resource type

article (2)


Language

Arabic (2)


Year
From To Submit

2013 (2)